د حافظ أحمد عجاج الكرمي

106

الإدارة في عصر الرسول ( ص )

لهجة من أبي ذر « 1 » » إلا أنه مع ذلك رفض طلبه في توليته أمرا إداريّا لا يتناسب مع صفات أبي ذر ، فعبر له عن ذلك مبديا له ضعفه دون حرج . ولعل من الأمور الواضحة البينة في هذا المجال ما أشار إليه البخاري ( ت 256 ه ) في روايته عن أبي موسى الأشعري ( ت 52 ه ) حيث قال : « دخلت على النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي ، فقال أحد الرجلين : أمّرنا يا رسول اللّه ، وقال الآخر مثله ، فقال : « إنّا لا نولي هذا العمل أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه » « 2 » ؛ وذلك لأن الولايات أمانة والتسرع إلى تحمل الأمانة خيانة ؛ لأنه لا يطلبها إلا طامع فيها ، متطلّع إلى مكسب مادي أو معنوي . ولقد وجه النبي صلّى اللّه عليه وسلم أصحابه إلى عدم التسرّع في طلب الإمارة فيشير البخاري ( ت 256 ه ) إلى قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة ( ت 51 ه ) : « يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة ، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها » « 3 » . وحذّر النبي صلّى اللّه عليه وسلم من تولية غير الكفؤ في إدارة من الإدارات فقال : « ما من عبد يسترعيه اللّه رعية ثم يموت يوم يموت وهو غاشّ لرعيته إلا حرم اللّه عليه الجنة » « 4 » ، وفي رواية لمسلم ( ت 261 ه ) : « ما من أمير يلي أمر المسلمين ، ثم لا يجتهد لهم ، وينصح ، إلّا لم يدخل معهم الجنة » « 5 » . ولا يفهم من ذلك أن يبتعد أصحاب الكفاات عن تولي إدارات الدولة المختلفة فقد سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلم رجلا يقول : بئس الشيء الإمارة ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « نعم الشيء الإمارة لمن أخذها بحقّها ، وبئس الشيء الإمارة لمن أخذها بغير حقها وحلّها » « 6 » ، وجعل النبي صلّى اللّه عليه وسلم للإمام العادل منزلة رفيعة عند اللّه يوم القيامة فقال :

--> ( 1 ) أحمد ، المسند ( ج 2 ، ص 175 ) . ابن ماجة ، أبو عبد اللّه محمد بن يزيد القزويني ( ت 275 ه ) . سنن ابن ماجة ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي ، د . ت ( ج 1 ، ص 55 ) . الترمذي ، الصحيح ( ج 13 ، ص 210 ) . ( 2 ) ابن حجر ، فتح الباري ( ج 27 ، ص 147 ) . مسلم بشرح النووي ( ج 12 ، ص 206 ، 207 ) . ( 3 ) البخاري ، الصحيح ( ج 9 ، ص 79 ) . مسلم ، الصحيح ( ج 3 ، ص 1456 ) . ( 4 ) البخاري ، الصحيح ( ج 9 ، ص 80 ) . مسلم بشرح النووي ( ج 12 ، ص 214 ) . ( 5 ) مسلم بشرح النووي ( ج 12 ، ص 215 ) . ( 6 ) ابن سلام ، الأموال ( ص 10 ) ، وروى البخاري ( ت 256 ه ) حديثا بنفس المعنى : « إنكم ستحرصون على الإمارة وستصير ندامة وحسرة يوم القيامة ، فبئس المرضعة ونعمت الفاطمة » . انظر : البخاري ، صحيح ( ج 9 ، ص 79 ) .